القاضي النعمان المغربي
430
شرح الأخبار
وأخص بالولاية قديما قد قدم مع المهدي حتى وصل معه إلى طرابلس . ثم أرسله المهدي إلى أخيه مقدما بين يديه ، وهو يومئذ ببلد كتامة ، وكان عزم المهدي أن يقصد قصد أبي عبد الله ، وأراد أن يعرفه ذلك فظهر على أبي العباس بالقيروان . وعلم أنه أخو أبي عبد الله ، وبأنه قدم مع المهدي فعاقبه [ على ] ذلك وأخرجه إلى جهة قسطنطينة . فلم ير المهد ي أن يقصد إلى أبي عبد الله خوفا على أبي العباس أن يعلم بحقيقة أمره فيقتل . فحمل نفسه على المكروه ، وسار إلى سجلماسة ، وكتب إلى أبي عبد الله بذلك ، وكان أبو العباس ردئ السيرة . ولما ثار مدلج على زيادة الله خرج أهل السجن وخرج أبو العباس فيمن خرج وتوجه راجعا إلى المشرق ، فلحقه زيادة الله في وقت هروبه بطرابلس ، وقبض عليه ثم خلاه . ولما اجتمع مع أبي عبد الله أحدث نفاقا واستفسد رجال الدولة بعد أن صار المهدي إلى إفريقيا ، ووسوس إلى أخيه أبي عبد الله واستفسده ، وأراد أن يكون الأمر والنهي والاصدار والايراد لهما دون المهدي ، وأن يكون المهدي كالمولى عليه معهما . وكان أبو عبد الله قد عود شيوخ المياميين قبل ذلك أمور عشائرهم بأيديهم والأموال التي أفاء الله بها على وليه في أيديهم . فلما وصل المهدي قبض ذلك ، وصار إليه ، وانفرد بالامر كما أفرده الله به ، وأخل أبو العباس الشيوخ من هذا الوجه ، ويشبه عليهم دل أكثرهم عليه ، وعاقده على الوثوب على المهدي كما تعاقد المنافقون على الوثوب على رسول الله صلى الله عليه وآله من قبله ، فكلما عقدوا عقدا انحل في أيديهم ، وكلما أبرموا أمرا أحله الله عليهم ، وإذا دخلوا إليه ليخاطبوه بما أبرموه وتوثبوا عليه أفحموا عما أرادوا أن يقولوه ، وغلت أيديهم عنه ، وهو في ذلك قد علم أمرهم فلم يرعه ذلك ولا غير شيئا من حاله ، وكانوا يدخلون إليه بسلاحهم فلا يحجبهم ، ولا يتعديهم ، ولم يبق له على الوفاء بما أخذ له عليهم إلا قليل منهم حتى شتت الله أمرهم ، ومحقهم ، وقتل من قتل منهم ، ثم هرب من هرب منهم عن بابه ، ولحقوا ببلد كتامة ، وأقاموا وغدا من أوغادهم يدعون إليه ، وأحدقوا دعوة ، واستحلوا فيها المحارم ، وأتوا فيها بالعظائم ، فأخرج